محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
190
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ويتوجه احتمال وهو معنى كلام ابن عقيل في الفنون فإنه قال : قل أن يصح رأي مع فورة طبع فوجب التوقف إلى حين الاعتدال ، وهو أيضا معنى ما اختاره الشيخ تقي الدين فإنه اختار أن لا يقع طلاق من غضب حتى تغير ولم يزل عقله كالمكره وذلك لما في الصحيحين " 1 " عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي اللّه عنهما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال : " اللهم هالة بنت خويلد " فقلت : وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك اللّه خيرا منها ؟ الغيرة بفتح الغين مصدر غار الرجل يغار غيرة وغيرا وغارا . والغيرة بكسر الغين الميرة والنفع وقولها : حمراء الشدقين أي لم يبق بشدقها بياض شيء من الأسنان قد سقطت من الكبر . قال الطبري وغيره من العلماء : الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبة عليهن فيها لما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم يزجر عائشة رضي اللّه عنها . وقال القاضي عياض عندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها ، ولعلها لم تكن بلغت حينئذ ، كذا قال وهذا لا يمنع الإنكار زجرا وتأديبا كسائر المحرمات . وفي الصحيحين " 2 " أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " إني أعرف إذا كنت راضية عني وإذا كنت علي غضبى " قالت : فقلت ومن أين تعرف ذلك ؟ قال : " أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين لا ورب محمد ، وإذا كنت غضبى قلت لا ورب إبراهيم " قلت : أجل واللّه يا رسول اللّه ما أهجر إلا اسمك . قال القاضي عياض : مغاضبة عائشة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو مما سبق من الغيرة التي عفي عنها للنساء في كثير من الأحكام لعدم إنفكاكهن منها حتى قال مالك وغيره من علماء المدينة يسقط عنها الحد إذا قذفت زوجها بالفاحشة على جهة الغيرة . قال واحتج بما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال " 3 " : " ما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله " قال القاضي عياض : ولولا ذلك كان على عائشة رضي اللّه عنها في ذلك من الحرج ما فيه ، لأن الغضب على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهجره كبيرة عظيمة ولهذا قالت : لا أهجر إلا اسمك . فدل على أن قلبها وحبها كما كان ، وإنما الغيرة في النساء لفرط المحبة . انتهى كلامه . وفي الصحيحين " 4 " أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجنا معه جميعا وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة : ألا تركبين الليلة بعيري وأركب
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3820 ) ومسلم ( فضائل الصحابة / 2511 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 5228 ) ومسلم ( فضائل الصحابة / 2439 ) . ( 3 ) رواه عبد الرزاق في " مصنفه " ( 13264 ) . ( 4 ) رواه البخاري ( 2593 ) ومسلم ( فضائل الصحابة / 2445 ) .